محمد حسين الذهبي
112
التفسير والمفسرون
مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . . . الآية ) فيقول : من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من اللّه في شئ ، أي ليس هو من أولياء اللّه ، واللّه برئ منه ، وقيل : ليس هو من ولاية اللّه تعالى في شئ . وقيل : ليس من دين اللّه في شئ . ثم استثنى فقال : ( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) والمعنى : إلا أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم ، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه ، ومداراتهم تقية منهم ودفعا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك . وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقال أصحابنا : إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة ، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح وليس تجوز من الأفعال في قتل المؤمن ، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين . قال المفيد : إنها قد تجب أحيانا وتكون فرضا ، وتجوز أحيانا من غير وجوب ، وتكون في وقت أفضل من تركها ، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذور أو معفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها . وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي : وظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس ، وقد روى رخصته في جواز الإفصاح بالحق عنده ، وروى الحسن : أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : أفتشهد أنى رسول اللّه ؟ قال : نعم ، ثم دعا بالآخر فقال : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : أفتشهد أنى رسول اللّه ؟ قال : إني أصم . قالها ثلاثا ، كل ذلك يجيبه بمثل الأول ، فضرب عنقه ، فبلغ ذلك رسول اللّه فقال : أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه ، وأخذ بفضله فهنيئا له ، وأما الآخر فقبل رخصة اللّه فلا تبعة عليه ، فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة « 1 » . اه .
--> ( 1 ) ج 1 ص 183